أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

26

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وهو بدل بعض من كل ، وإذا كان كذلك فلا بدّ من ضمير يعود على المبدل منه تقديره : فئة منهما . وقرأ ابن السّميفع وابن أبي عبلة فئة نصبا . وفيه أربعة أوجه : أحدها : النصب بإضمار أعني . والثاني : النصب على المدح . وتحرير هذا القول أن يقال على المدح في الأول ، وعلى الذم في الثاني ، وكأنه قيل : أمدح فئة تقاتل في سبيل اللّه ، وأذمّ أخرى كافرة . الثالث : أن ينتصب على الاختصاص جوّزه الزمخشري . قال الشيخ « 1 » : « وليس بجيد ؛ لأنّ المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهما » قلت : لا يعني الزمخشري الاختصاص المبوّب له في النحو نحو « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » « 2 » إنما عنى النصب بإضمار فعل لائق ، وأهل البيان يسمّون هذا النحو اختصاصا . الرابع : أن تنتصب « فِئَةٌ » على الحال من فاعل « الْتَقَتا » كأنه قيل : التقتا مؤمنة وكافرة ، فعلى هذا يكون « فِئَةٌ » و « أُخْرى » توطئة للحال ، لأن المقصود ذكر وصفها ، وهذا كقولهم : جاءني زيد رجلا صالحا ، ومثله في باب الإخبار : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ « 3 » ونحوه . قوله : وَأُخْرى كافِرَةٌ « أُخْرى » : صفة لموصوف محذوف تقديره : « وفئة أخرى كافرة » . وقرئت « كافِرَةٌ » بالرفع والجرّ على حسب القراءتين المذكورتين في « فِئَةٌ تُقاتِلُ » ، وهذه منسوقة عليها ، وكان من حق من قرأ « فِئَةٌ تُقاتِلُ » نصبا أن يقرأ : و « أُخْرى كافِرَةٌ » نصبا عطفا على الأولى ، ولكني لم أحفظ فيها ذلك . وفي عبارة الزمخشري ما يوهم القراءة به فإنه قال : « وقرىء فئة تقاتل وأخرى كافرة بالجرّ على البدل من فئتين ، وبالنصب على الاختصاص أو الحال » ، فظاهر قوله : وبالنصب أي : في جميع ما تقدم وهو : فئة تقاتل وأخرى كافرة . وقد تقدّم سؤال أبي البقاء وهو : لم يقل « والأخرى » بالتعريف ، أعني حال رفع « فِئَةٌ تُقاتِلُ » على خبر ابتداء مضمر تقديره : « إحديهما » ، والجواب عنه . والعامّة على « تُقاتِلُ » بالتأنيث لإسناد الفعل إلى ضمير المؤنث ، ومتى أسند إلى ضمير المؤنث وجب تأنيثه ، سواء كان التأنيث حقيقة أم مجازا نحو : « الشمس طلعت » هذا جمهور الناس عليه ، وخالف ابن كيسان فأجاز : « الشمس طلع » مستشهدا بقول الشاعر : 1196 - فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها « 4 » فقال : « أبقل » وهو مسند لضمير الأرض ولم يقل : أبقلت ، وغيره يخصّه بالضرورة . وقال هو : « لا ضرورة إذ كان يمكن أن ينقل حركة الهمزة على تاء التأنيث الساكنة فيقول : ولا أرض أبقلت أبقالها . وقد ردّوا عليه بأن الضرورة ليس معناها ذلك ، ولئن سلّمنا ذلك فلا نسلّم أن هذا الشاعر كان من لغته النقل ، لأنّ النقل ليس لغة لكلّ العرب .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 394 . ( 2 ) حديث أخرجه أحمد في المسند 2 / 463 وابن كثير في البداية والنهاية 2 / 154 ، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير 5 / 209 . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 81 ) . ( 4 ) تقدم .